السيد محمد الصدر
9
ما وراء الفقه
والأصل فيها من الناحية اللغوية : البيان وهو الإظهار والإيضاح . والأمر البيّن هو الظاهر الواضح أو الموضّح . والبينة تأنيث البين . فيكون الأنسب به أن يكون وصفا للقضية التي يدعيها المدعي . فإن كانت بينة وواضحة أخذ الحكم على طريقها وإلا فلا . كل ما في الأمر أنها لا تكون واضحة شرعا إلا بشاهدين عادلين . وأما وصف نفس الشاهدين العادلين بهذا اللفظ : البينة . فهو من وصف الشيء بحال متعلقة ، ولا يخلو من تسامح لغوي بكل تأكيد لأن كل واحد من الشاهدين ( مبيّن ) أي سبب للبيان والإيضاح فيكون الشاهدان معا مبينين يعني موضّحين ومظهرين للأمر الذي يشهدان عليه . وبشهادتهما تكون القضية التي يدعيها المدعي : بينة ، لا أن نفس الشاهدين هما بينة . ولأن هذا التسامح مما جرى عليه الفقهاء ، من عصور قديمة ولو أسموها ( مبيّنة ) لكان رفعا لهذا التسامح ولو من باب أن الجمع قد يؤنث وأقل الجمع اثنان منطقيا على أن الشهود قد يزيدون على اثنين أحيانا . وأما وصف الشاهدين بالعدالة ، فقد تكلمنا عن هذه الصفة في كتاب الاجتهاد والتقليد من الجزء الأول من هذا الكتاب . وقد يقال : إن لفظ البينة قد سمعناه من الأخبار الصحاح وليس هو فقط مصطلح الفقهاء . إذن : فيكون هذا الإيراد الأخير إيرادا على السنة الصحيحة : كما هو إيراد على المصطلح الفقهي . وجواب ذلك أنه من المؤكد فقهيا أن المصطلح الفقهي لا يراد به إلا ذلك : أعني الرجلين العادلين الشاهدين . ومن هنا كان الإشكال واردا عليه لا محالة . وأما السنة الشريفة الصحيحة ، فبالرغم من أن نفس اللفظ مستعمل فيه ، ومنه سرى إلى المصطلح الفقهي لا محالة . إلا أن المعنى ، لا أقل من الناحية اللغوية يختلف في السنة عما هو في الاصطلاح . وقد سبق أن أشرنا في هذا الكتاب عدة مرات أنه لا يمكن حمل ألفاظ السنة على المعاني الفقهية الاصطلاحية المتأخرة عنها .